أبو الهدى الكلباسي

216

سماء المقال في علم الرجال

وإن قلت : سلمنا ، ولكنه ينقدح من وجه آخر ، وهو : أنه قد يكون مذهب المجتهدين اللاحقين ، أن العدالة هي المعنى الأدنى ، فلا يعلم حينئذ هل كان الراوي متصفا بهذا المعنى ، أم لا ؟ فلو لم يسقط المؤلف اعتبار هذا المقدار ، لكان النفع أكثر . قلت : مع أن هذا النفع بالنسبة إلى الأول أقل ، لذهاب الأكثر إلى المعنى الأعلى ، بل ادعى عليه الاتفاق فيه ، إنا نراهم يمدحون الرجل بمدائح كثيرة توجب العدالة بمعنى حسن الظاهر ، بل وأزيد منه . ومع ذلك لا يصرحون بعدالتهم ، فمن ليس مذهبه في العدالة المعنى الأعلى فليأخذ بمقتضى هذا المدح ، وهذا من أعظم الشواهد على أنهم أرادوا بالعدالة : المعنى الأعم ، فهم لاحظوا الأطراف وأخذوا بمجامع النفع . بل نقول : إن ما يظهر بالتتبع أنهم لا يختلفون في أن العدالة هي الملكة التي تبعث على ملازمة التقوى . نعم : يتأتى الكلام في أمور : أحدها : في اعتبار المروة وعدمه ، والمشهور أيضا اعتبارها ، بل ظاهر الكنز اجماعهم عليه وليس بذلك البعيد . نعم ، صرح جماعة من المتأخرين بعدم اعتبارهم ( 1 ) ولا يثمر خلافهم في المقام ثمرة ، فإن الكلام في تعديل أهل الرجال ، والظاهر اعتبار المروة عندهم . سلمنا ، لكن العدالة المعتبرة في قبول الرواية ، هي التي توجب الثقة والاعتماد ، ومن لا مروة له لا اعتماد عليه غالبا .

--> ( 1 ) راجع : جواهر الكلام : 13 / 280 و 301 .